أخبار مكناس 24 – أبو مروان
تشكل التمثيلية البرلمانية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة إحدى الآليات الأساسية لضمان الربط بين انتظارات المواطنين ومراكز صناعة القرار العمومي . وإذا كانت المدن الكبرى تقاس اليوم بقدرتها على استقطاب الاستثمار وتحقيق التنمية المجالية ، فإن نجاحها يظل رهينا أيضا بامتلاكها لتمثيلية سياسية قادرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والترافع عن قضاياها التنموية الكبرى داخل المؤسسات الوطنية . ومن هذا المنطلق، يبرز النقاش حول مدينة مكناس ليس باعتبارها حاضرة تاريخية عريقة فحسب ، بل باعتبارها مجالا ترابيا يتطلع إلى تعزيز حضوره داخل دوائر القرار الوطني من خلال تمثيلية برلمانية قوية وفاعلة .
وفي هذا السياق ، تشهد العاصمة الإسماعيلية ، منذ تولي السيد العباس الومغاري رئاسة مجلس الجماعة ، دينامية تنموية متصاعدة ارتبطت بإطلاق مجموعة من الأوراش والمشاريع التي استهدفت تحسين البنية التحتية ، وتأهيل الفضاءات العمومية ، وجلب الاستثمارات ، وتعزيز جاذبية المدينة اقتصاديا وسياحيا وثقافيا . وهي تجربة تدبيرية تقوم أساسا على القرب من المواطنين ، والإنصات لانشغالات الساكنة ، والسعي إلى تحويل مطالب الأحياء والفعاليات المحلية إلى برامج عمل ومشاريع ملموسة.
ولعل المتتبع للشأن المحلي بمكناس يلاحظ أن المدينة انتقلت تدريجيا من مرحلة تدبير الإكراهات اليومية إلى مرحلة التفكير في بناء رؤية تنموية أكثر شمولية واستدامة. وقد تجسد ذلك في العناية بالمرافق العمومية ، وتأهيل الفضاءات الخضراء ، وتحسين الخدمات الجماعية ، وتعزيز الشراكات مع مختلف المتدخلين المؤسساتيين . وتعكس هذه المقاربة وعيا متزايدا بأن التنمية لم تعد مجرد إنجازات مادية معزولة ، بل أضحت مشروعا مجتمعيا متكاملا يهدف إلى الرفع من جودة الحياة وتعزيز العدالة المجالية .
غير أن نجاح التجارب التنموية المحلية ، مهما بلغت درجة نضجها ، يظل في حاجة إلى امتداد مؤسساتي على المستوى الوطني . فالكثير من الملفات الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية ، والاستثمار ، والتشغيل ، وحماية التراث المادي واللامادي ، وتطوير الخدمات العمومية ، تظل رهينة بقرارات وتشريعات وسياسات عمومية يتم إعدادها وصياغتها داخل البرلمان ومختلف مؤسسات الدولة . ومن هنا تبرز أهمية التمثيلية البرلمانية باعتبارها آلية للترافع عن مصالح المدينة وضمان حضورها ضمن الأولويات الوطنية للتنمية .
وانطلاقا من هذا المعطى ، يطرح الرأي العام المكناسي سؤالا جوهريا يتعلق بمدى حاجة المدينة إلى تمثيلية برلمانية تنطلق من معرفة دقيقة بخصوصياتها وإكراهاتها وطموحاتها . فالتجربة أثبتت أن المنتخب الذي راكم معرفة ميدانية بقضايا المواطنين واحتك بشكل مباشر بمشاكل الأحياء والسكان يكون أكثر قدرة على نقل هذه الانشغالات إلى المؤسسة التشريعية وتحويلها إلى مبادرات ومقترحات عملية تستجيب للحاجيات الفعلية للساكنة .
ولا يتعلق الأمر هنا بمنطق الأشخاص بقدر ما يرتبط بمنطق الكفاءة والقدرة على الترافع المؤسساتي .
و أكيد أن تجربة السيد العباس الومغاري في تدبير الشأن المحلي قد راكمت رصيدا مهما من المعرفة بقضايا المدينة ، سواء تلك المرتبطة بالتنمية الحضرية أو بالعدالة المجالية أو بتحسين الخدمات العمومية . وهو ما يجعل اسمه يحضر في النقاش العمومي باعتباره أحد أبناء المدينة الذين راكموا تجربة ميدانية تؤهلهم لفهم أعمق لانتظارات وتطلعات الساكنة والدفاع عنها داخل مختلف فضاءات القرار و بما يبوؤ العاصمة الإسماعيلية مكناس المكانة التي تستحقها جهويا و وطنيا .
وإذا كانت التنمية المحلية قد أفرزت مؤشرات إيجابية على مستوى تدبير الشأن الجماعي ، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة لمكناس لا يتمثل فقط في الحصول على مقاعد برلمانية ، بل في امتلاك صوت مؤثر قادر على بناء جسور التواصل بين المجال المحلي والمستوى الوطني . فالتنمية المعاصرة تقوم على تكامل الأدوار بين الجماعات الترابية والبرلمان والحكومة وباقي المؤسسات ، بما يضمن انسجام السياسات العمومية وتوجيهها نحو الحاجيات الحقيقية للمواطنات و المواطنين .
ومن هذا المنظور ، تبدو الحاجة ملحة إلى تمثيلية برلمانية تجمع بين الكفاءة التدبيرية والخبرة الميدانية ، بما يسمح بتحويل تطلعات ساكنة مكناس إلى ملفات ترافعية قوية داخل المؤسسة التشريعية . فالمدن لا تتقدم فقط بالمشاريع التي تنجز داخل حدودها الترابية ، بل أيضا بقدرتها على التأثير في القرار العمومي الوطني واستقطاب الدعم اللازم لمواصلة مسار التنمية .
وقد أثبتت التجارب المقارنة ، وطنيا ودوليا ، أن المدن التي نجحت في تعزيز مكانتها الاقتصادية والثقافية هي تلك التي استطاعت بناء نخب سياسية ومؤسساتية قادرة على الجمع بين التدبير المحلي والترافع الوطني .
ومكناس ، بما تملكه من مؤهلات تاريخية وحضارية واقتصادية وبشرية ، تبدو اليوم في حاجة إلى هذا النوع من التكامل بين القيادة المحلية والتمثيلية البرلمانية ، بما يضمن استمرارية الدينامية التنموية ويعزز موقع المدينة ضمن الخريطة الوطنية للتنمية .
و دون شك أن النقاش حول تمثيل مكناس في البرلمان يتجاوز الأشخاص والاعتبارات الظرفية ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بمستقبل المدينة ومكانتها ضمن المشروع التنموي الوطني . فحين تنجح مدينة ما في بناء قيادة محلية قريبة من المواطنين ، وتتمكن في الوقت نفسه من إيصال صوتها إلى مراكز القرار الوطني ، فإنها تكون قد أرست الأسس الحقيقية لتنمية مستدامة تجعل من السياسة أداة لخدمة المجال والإنسان معا . وهنا يكمن جوهر الرهان الذي تتطلع إليه ساكنة مكناس: أن تجد تحت قبة البرلمان صوتا يعبر عن نبض المدينة ، ويدافع عن مصالحها، ويواكب طموحها المشروع نحو مزيد من التنمية و الازدهار.
و إن الرهان على السيد العباس الومغاري يعكس تطلع ساكنة مكناس إلى صوت يجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الترافعية ، بما يضمن إيصال انشغالات المدينة والدفاع عن مصالحها التنموية . فمكناس اليوم تحتاج إلى شخصية قوية تحمل آمال وطموحات ساكنة مكناس إلى دوائر القرار الوطني ، وتسهم في تعزيز مكانتها ضمن مسار التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة الشريفة تحت القيادة الرشيدة لعاهل البلاد ،جلالة الملك محمد السادس نصره الله .