أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ورشا وطنيا غير مسبوق يروم إعادة صياغة العلاقة بين العمران والهوية الترابية بالمغرب ، من خلال إعداد خمس مواثيق كبرى للتوجيه العمراني والمعماري والمنظري ، مدعومة بمنصة رقمية وطنية متطورة تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية .
ويمثل هذا المشروع الاستراتيجي تحولا نوعيا في تدبير المجال العمراني ، إذ لا يقتصر على إعداد دراسات تقنية ظرفية ، بل يهدف إلى بناء مرجع وطني موحد يؤطر اختيارات البناء والتهيئة والتخطيط العمراني وفق الخصوصيات الجغرافية والثقافية والبيئية لمختلف مناطق المملكة .
ويأتي هذا التوجه في سياق التحديات التي تواجه الهوية المعمارية المغربية نتيجة التوسع الحضري المتسارع واعتماد نماذج عمرانية مستوردة لا تنسجم دائما مع الخصوصيات المحلية ، وهو ما دفع الدولة إلى تبني مقاربة جديدة تراهن على تثمين الرصيد المعماري الوطني وضمان انسجام المشاريع العمرانية مع محيطها الطبيعي والثقافي .
ويرتكز المشروع على تقسيم التراب الوطني إلى خمسة مجالات ترابية كبرى تشمل المناطق الساحلية ، والمجالات التراثية ، والمناطق القروية ، والمجالات الجبلية ، إضافة إلى المناطق الصحراوية والواحاتية . وسيتم إعداد ميثاق خاص بكل مجال يحدد الخصائص المعمارية والمنظرية الواجب اعتمادها مستقبلا في عمليات البناء والتأهيل والتخطيط .
ومن أبرز مكونات هذا الورش إنشاء نظام معلومات جغرافي وطني متكامل سيشكل قاعدة بيانات رقمية للهوية المعمارية المغربية ، تضم المعطيات المتعلقة بالمواد المحلية المستعملة في البناء ، والألوان المعتمدة ، والنماذج المعمارية التقليدية ، والعناصر النباتية والمنظرية الملائمة لكل جهة .
وستمكن هذه المنصة الرقمية مختلف المتدخلين ، من مهندسين معماريين وجماعات ترابية ووكالات حضرية ومستثمرين ، من الولوج إلى مرجع موحد يساعد على اتخاذ القرارات العمرانية وفق معايير دقيقة تراعي خصوصيات كل مجال ترابي .
كما يعتمد المشروع ثلاثة مستويات من التوجيهات المعمارية ، تشمل الممارسات غير المستحبة التي تتعارض مع الهوية المحلية ، والمبادئ الموصى بها للحفاظ على الخصوصيات العمرانية ، ثم مجالا ثالثا يفتح الباب أمام الإبداع والابتكار المعماري في إطار احترام المرجعيات المحلية .
وستنطلق الدراسة بمرحلة تشخيصية تمتد لستة أشهر ، تشمل أبحاثا ميدانية وزيارات لمواقع نموذجية بمختلف جهات المملكة ، بهدف رصد الخصائص العمرانية والمعمارية والمنظرية ، وتحليل تأثير المناخ والتضاريس والمخاطر الطبيعية على أنماط البناء وطرق تنظيم الفضاءات .
ويعكس هذا المشروع توجها متقدما نحو الانتقال من التدبير العمراني التقليدي إلى التخطيط الذكي المعتمد على البيانات الرقمية والمعرفة المجالية الدقيقة ، بما يعزز جودة المشهد العمراني المغربي ويحافظ على تنوعه الثقافي والترابي .
وفي حال نجاح هذا الورش ، فإنه سيشكل إحدى أهم اللبنات المؤسسة لجيل جديد من السياسات العمرانية بالمغرب ، قوامها التوازن بين متطلبات التنمية والتحديث من جهة ، وصيانة الهوية المعمارية والخصوصيات المحلية من جهة أخرى ، بما يضمن مدنا ومجالات ترابية أكثر انسجاما واستدامة وجاذبية .
