أخبار مكناس 24 – أبو مروان
في زمن يشهد إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة الاقتصادية الدولية ، يواصل المغرب ترسيخ مكانته كأحد النماذج التنموية الصاعدة التي استطاعت أن تفرض حضورها بثبات داخل المشهد الاقتصادي العالمي . ولم يعد الحديث عن صعود المملكة مجرد توقعات مستقبلية أو رهانات نظرية ، بل أصبح يستند إلى مؤشرات واقعية ومنجزات ملموسة تعكس نجاح رؤية استراتيجية طويلة المدى جعلت من المغرب فاعلا اقتصاديا متنامي التأثير .
فخلال العقدين الأخيرين ، تبنى المغرب نموذجا تنمويا قائما على الاستثمار في البنية التحتية الحديثة ، وتنويع القاعدة الإنتاجية ، والانفتاح على الأسواق الدولية ، وتعزيز الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية . وقد مكنت هذه الاختيارات المملكة من الانتقال من موقع الاقتصاد الباحث عن فرص الاندماج إلى موقع الشريك الموثوق القادر على استقطاب الاستثمارات والمساهمة في سلاسل القيمة العالمية.
وتعكس الثقة المتزايدة التي تبديها الأوساط الاقتصادية الدولية تجاه المغرب حجم التحول الذي حققته المملكة . فقد أصبحت التجربة المغربية تحظى باهتمام متنامٍ من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية ، وهو ما تؤكده التصريحات والتقارير التي ترى في المغرب إحدى الوجهات الواعدة للاستثمار خلال السنوات المقبلة ، بالنظر إلى ما يوفره من استقرار سياسي ومؤسساتي، ووضوح في الرؤية الاقتصادية ، وبيئة أعمال آخذة في التحسن المستمر .
ويعد نجاح المغرب في بناء بنية تحتية حديثة أحد أبرز عوامل هذا التحول. فقد تحول ميناء طنجة المتوسط إلى منصة لوجستية عالمية تربط بين القارات والأسواق الكبرى، فيما ساهمت شبكة الطرق السيارة والقطار فائق السرعة والمناطق الصناعية المتخصصة في تعزيز جاذبية المملكة وتنافسيتها الاقتصادية . ولم تعد هذه المشاريع مجرد منشآت كبرى ، بل أصبحت أدوات استراتيجية لدعم النمو واستقطاب الاستثمارات الدولية .
كما نجح المغرب في ترسيخ مكانته داخل قطاعات صناعية متقدمة ، خاصة في مجالي صناعة السيارات والطيران ، حيث أصبح جزءا أساسيا من منظومات الإنتاج العالمية. ويعكس هذا الإنجاز قدرة المملكة على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الأنشطة التقليدية إلى اقتصاد أكثر اندماجا في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية ، بما يعزز قدرتها التنافسية ويخلق فرصا جديدة للنمو والتشغيل .
وتزداد أهمية هذا الموقع في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي ، حيث تبحث الشركات الدولية عن وجهات مستقرة وآمنة لإعادة توزيع استثماراتها وسلاسل إنتاجها . وفي هذا السياق ، يبرز المغرب كخيار استراتيجي يجمع بين الاستقرار ، والقرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية ، والانفتاح على العمق الإفريقي ، فضلا عن شبكة واسعة من اتفاقيات التبادل الحر التي تمنحه امتياز الولوج إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين .
وفي موازاة ذلك ، يواصل المغرب الاستثمار في قطاعات المستقبل ، وعلى رأسها الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ، إدراكا منه للتحولات الكبرى التي يعرفها العالم في مجال الانتقال الطاقي . وقد مكنت هذه الرؤية الاستباقية المملكة من تعزيز مكانتها كفاعل إقليمي في مجال الطاقة النظيفة وكموقع مرشح للاستفادة من الفرص الاقتصادية التي ستفرزها التحولات المناخية والتكنولوجية خلال العقود المقبلة .
كما تشهد المملكة دينامية متواصلة في مجال تحديث المدن وتأهيل البنيات الأساسية وتحسين جاذبية المجال الترابي ، وهي جهود تتعزز مع الاستعدادات الجارية لاستضافة كأس العالم 2030 ، الذي يمثل فرصة استراتيجية لتسريع الاستثمار وتعزيز إشعاع المغرب الدولي وترسيخ صورته كبلد قادر على تنظيم واستثمار الأحداث العالمية الكبرى .
غير أن قوة التجربة المغربية لا تكمن فقط في حجم المشاريع المنجزة ، بل في قدرتها على الموازنة بين الطموح والواقعية . فالمملكة تدرك أن تعزيز مكانتها ضمن الاقتصادات الصاعدة يتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية ، وتطوير الرأسمال البشري ، وتشجيع الابتكار ، ورفع إنتاجية الاقتصاد الوطني ، بما يضمن استدامة النمو وتعزيز القدرة التنافسية على المدى الطويل .
أكيد أن المغرب قد أصبح اليوم يحظى بموقع متقدم داخل خارطة الاقتصادات الصاعدة ، ليس بفضل الإمكانات المتاحة فحسب ، بل بفضل حسن توظيفها ضمن رؤية واضحة ومتدرجة . وبينما تستمر التحولات العالمية في إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي ، تبدو المملكة أكثر استعدادا من أي وقت مضى للاستفادة من هذه المتغيرات وترسيخ حضورها ضمن الدول الصاعدة القادرة على التأثير في الاقتصاد الدولي .
و دون شك أن ما يحققه المغرب اليوم هو ثمرة مسار طويل من الإصلاح والاستثمار والتخطيط الاستراتيجي بفضل الرؤية الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله . ولذلك فإن الثقة الدولية المتزايدة في المملكة لا تعكس مجرد تفاؤل بالمستقبل ، بل تعبر عن اعتراف متنامٍ بنموذج تنموي استطاع أن يحول الطموح إلى منجزات ، وأن يضع المغرب على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة تؤهله للعب أدوار أكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي.
