أخبار مكناس 24 – برعي محمد
في تلك الأيام المباركة، لم تكن “الدار الكبيرة” لـ “با القايد” مجرد ملاذ للضيافة، بل كانت مظلة تتجمع تحتها أطياف من الأناقة والروحانية التي ينادون بها من كل صوب،وكان أكثر ما يستولي على شغف طفولتي، أولئك الضيوف الاستثنائيين الذين حجوا من “العدوتين”—الرباط وسلا—ليستقروا في ضيافة “با القايد” العامرة.
لرجال العدوتين حضور يسرق الألباب؛ هيبة يسكنها نظام دقيق، وأناقة ساحرة تفيض وقارا. كنت أرقبهم بفضول الصبي المذهول، وألتصق بأطراف مجالسهم لأستمع إلى حديثهم الذي لم يكن كلاما عاديا،بل كان ينساب على ألسنتهم حلاوة ، ينشدون بلسان فصيح ونبرة موزونة، لم أكن أفهم حينها أغلب المعاني الشاهقة المتوارية خلف تلك الاستعارات، لكن الإيقاع اللفظي والنغمات المنسابة كانت تأسرني، وتستقر في وجداني كمعزوفة سحرية تعلو فوق فهم الصغار لتستقر في قلوبهم.
في كل لحظة، ينتابني شعور غريب موسوم بنوع من الانبهار بمايبديه أهل الرباط وسلا من نظام وأناقة بذلك اللباس الناصع لونه ،حيث ان ذاكرتي لم تعتد رؤية أهل القصبة بلباس موحد كامل كما كان عليه أهل العدوتين إلاأن “قصبة هدراش”—ومعها مدرسة مكناس العريقة—كانت تمتلك سر جمالٍ آخر لا يضاهيه شيء اخر في بكل بقاع المملكة الحبيبة، فن الخياطة التقليدية،الجلابةالمخزنية.
هنا، في حي قصبة هدراش، كانت الأستاذية والإتقان يتجليان في أبهى صورهما على يد “المعلم با حجوب” وباقي “معلمي” الخياطة الى يومنا هذا رغم المنافسة المحمودة.معلمون يتفننون في صناعة “الجلابة” بأناقة آسرة، حيث تحول الخيط والأطراف بين أيديهم إلى تحف فنية تنطق بالهيبة والمجد ولا أزال أذكر كيف كان كبار القوم وأعيان العدوتين يقطعون المسافات قاصدين دكاكين الخياطة في “قصبة هدراش”، ليفصلوا جلابيبهم عند هؤلاء المعلمين، مستزيدين من عبق الأصالة التي لا يتقن حبك أسرارها إلا صناع القصبة الأوفياء.
وفي اليوم الثاني من احتفالات المولد النبوي الشريف، وبعد أن تنقضي صلاة العصر ويخرج الناس من المسجد، كان الحي يتهيأ لحدثه الأكبر؛ خروج “الطائفة العيساوية القصباوية”—الطائفة الوحيدة والأوحدة بحينا هذا، وكانت هناك طوائف أخرى بجل الاحياء القديمة(المدينة،الزيتون ،تواركة….)،ولكل منها طابعها الخاص.
الطريق الممتد من باب مسجد للا خضراء إلى “درب الحاج لحسن” يغص عن آخره بالمتفرجين، والمريدين، والمحبين الذين حجوا ليرتشفوا من بركة هذه الزاوية. يبدأ الموكب في خشوع تام؛ يستهل “المقدم” الجمع بتلاوة الفاتحة الشريفة والانخراط في الذكر الرباني، دون أن تشوب تلك اللحظة رنّة طبل ولا نفخة “غيطة”؛ فالوقار هو سيد الموقف.
كان يصطف في الأمام زهاء عشرين رجلا ممن يمثلون الطريقة العيساوية، وهم صفوة الناس أخلاقا وسمعة وجاها.يلبسون أبهى ما يملكون من الجلابيب الناصعة والرزوز (العصائب) البيضاء التي تعلو هاماتهم. وفي وسط هذا الجمع المصون بالوقار، كان يتألق كعادته “المقدم”؛ رجل يستحيي المكان من هيبته وهو يرتدي جلابتين واحدة جد خفيفة والثانية من الصوف الحر، وتلتف فوق رأسه رزة مميزة تعلو وجها فاض بالسكينة. كان يمرُ رويدا، والجموع تنحني له إجلالا واحتراما لمقامه الصوفي ولأخلاقه السامية.
مع اندفاع الموكب، لم تكن الطائفة القصباوية تستعين إلا بـ غياطين اثنين فقط، لكنهما لم يكونا شخصين عاديين، بل كانا من أشهر الغياطة وأكثرهم شعبية في المغرب قاطبة، ولا سيما في الرباط وسلا. كانا يمتطيان بغلين من حجم كبير، ينفخان في الغيطة نغمات تأخذ بالألباب يتذيلون الموكب في انسجام تام .
وأمامهم، يندفع “الحضارة” بلباسهم الأبيض الناصع، حفاة الأقدام، يجسدون الصفاء في أبهى معانيه. وفي قلب هذا الموكب البهيج، كان يبرز ثلاثة رجال ارتدوا “لباس الذيب”، تفننوا في تنميقه بأنواع الحلي الغريبة والإضاءات المبتكرة، يضفون على الجمع نوعا من الفكاهة الشعبية والبهجة الساحرة التي تلطف مهابة العادي.
كان للموكب حرمة مقدسة؛ فدائرة العيساوية لم يكن ليجرؤ أحد على اختراقها أو الدخول بين “الحضارة”، إلا إذا مسته “نغزة الحال” واستبدت به الجذبة الروحية، فحينها فقط يفسح له الجمع المجال ليعبر عن وجده.
وعندما يصل الموكب الشريف إلى نقطة الالتقاء عند “درب الحاج لحسن”_حيث تقيم طائفتي العدوتين بداربا القايد_ تشخص الأبصار نحو طائفة أهل (الرباط وسلا) وهم يرتدون زيا موحدا أبيض كالثلج صفاؤه ونقاؤه حتى اليوم،تراهم ولا عجب في ذلك رؤوساهم محلوقة بصفاء ينطق بالتقوى والسكينة، فلا ترى في سماهم ما يعكر صفو الروح، بل تتميز وجوههم بطهارة وإشراق ، فيدخل هؤلاء في حلقة الضيافة العيساوية كـ “حضارة”، فيستقبلهم أعضاء الفرقة بحركات وطقوس دقيقة تفهم من إشاراتها العبارة الخالدة: “مرحبا بكم.. فأنتم أهل الدار”.
كان هذا الاستقبال هو التجسيد الأسمى للحب والوفاء، حين تقدم طائفة العدوتين نفسها كمريدين لـ ” الشيخ الكامل”—في أحضان الطائفة القصباوية—فيتلاحم الجمعان في منظر تقشعر له الأبدان،مرددين “اللهم صلي وسلم على وبارك على محمد””هدية لسيدنا محمد…”
يتبع
